العز بن عبد السلام
18
زبدة خلاصة التصوف ( حل الرموز ومفاتيح الكنوز )
وكان فيه طوائف يصعقون عند سماع القرآن ، ولم يكن في الصحابة من هذا حاله ؛ فلما ظهر ذلك أنكر طائفة من الصحابة والتابعين كأسماء بنت أبي بكر ، وعبد الله بن الزبير ومحمد بن سيرين ونحوهم . وللمنكرين مأخذان : منهم من ظن ذلك تكلفا وتصنعا . يذكر عن محمد بن سيرين أنه قال : ما بيننا وبين هؤلاء الذين يصعقون عند سماع القرآن إلا أن يقرأ على أحدهم وهو على حائط فإن خر فهو صادق . ومنهم من أنكر ذلك لأنه رآه بدعة مخالفا لما عرف من هدى الصحابة . كما نقل عن أسماء وابنها عبد الله . والذي عليه جمهور العلماء أن الواحد من هؤلاء إذا كان مغلوبا عليه لم ينكر عليه ، وإن كان حال الثابت أكمل منه ؛ ولهذا لما سئل الإمام أحمد عن هذا . فقال : قرئ القرآن على يحى بن سعيد القطان فغشى عليه ولو قدر أحد أن يدفع هذا عن نفسه لدفعه يحيى بن سعيد ؛ فما رأيت أعقل منه ، ونحو هذا . وقد نقل عن الشافعي أنه أصابه ذلك ، وعلي بن الفضيل بن عياض قصته مشهورة ، وبالجملة فهذا كثير ممن لا يستراب في صدقه . لكن الأحوال التي كانت في الصحابة هي المذكورة في القرآن . وهي وجل القلوب ، ودموع العين ، واقشعرار الجلود ، كما قال تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ « 1 » وقال تعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ
--> ( 1 ) [ سورة الأنفال : آية 3 ] .